في حوار خاص مع ” بوابة جامعة حضرموت”، يسلط عميد كلية البيئة والعلوم البحرية بجامعة حضرموت أ. د. خالد الرُباكي الضوء على حصاد النسخة الحادية عشرة من المؤتمر العلمي الطلابي. ويستعرض كواليس 36 بحثاً ومشروع تخرج، قدمت حلولاً مبتكرة لتحديات المياه والتلوث، مؤكداً أن هذه النتاجات العلمية تمتلك الجدارة للتحول إلى مشاريع صناعية لولا عوائق التمويل.
الدعوة مفتوحة للقطاع الخاص لتبني هذه المواهب الواعدة.
“من المختبرات إلى سوق العمل”..يؤكد عميد البيئة جاهزية هذه الأبحاث للتحول إلى استثمارات صناعية، حيث يضع النقاط على الحروف بشأن تحديات التطبيق، مناشداً المنظمات والجهات المانحة للاستثمار في عقول الشباب اليمني، وهي ترسم خارطة طريق لحل مشكلات البيئة والمياه.
حوار/ عبد الرحمن باحارثة
تصوير/ أحمد با رباع
حدثنا عن بداية أول موتمر عملي بعد نجاح أحد عشر مؤتمرًا؟
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أشكركم على إتاحتكم هذه الفرصة لي لأكون ضيفًا على متابعي بوابة جامعة حضرموت، وبالنسبة لسؤالكم فعندما تم التفكير في تنفيذ أول مؤتمر، كان الهدف الأسمى تفجير ملكات الطلاب، وكانت البداية عام 2011م بمقترح من الأستاذ الدكتور محمد خنبش. تناقشنا في الفكرة وبلورناها، ولكن في العام نفسه حصلت أحداث (الربيع العربي) في الوطن العربي. وكان اليمن أحد ضحاياه. تأجلت الفكرة إلى أن وصلنا وحققنا المؤتمر الأول للطلاب في 2014م، وكان هدف المؤتمر هو أننا نريد لبحوث الطلبة أن تكون مستوياتها عالية، يعني أن تكون أغلبها تخدم المجتمع، هذا الهدف مهم جدًّا جدًّا، نريد للطالب أن يكون عنده ثقافة البحث العلمي، كيف يبحث، كيف يتناول المشكلة، إلى أن يصل إلى حل هذه المشكلة بالطرائق العلمية المنهجية المعروفة، لذلك منحنا الطلاب هذه الفرصة. لدينا طلاب كُثر في جامعة حضرموت موهوبون، نطمح أن يكون لهم شأن، بعض الطلاب عندهم موهبة وهبهم الله إياها في البحث العلمي، وآخرون في المسرح، وآخرون في الكرة، وآخرون في الشعر، وهكذا.
نحن نركز على هؤلاء ونمسك بأيديهم ونوصلهم إلى الطريق الصحيح، خصوصًا الباحث العلمي، نحاول استقطابه وصقل موهبته، نقول له اعمل كذا، وقم بكذا هكذا، ونقول له حاول، لا تيأس، حتى ينجح.
د/ خالد يا حبذا لو تحدثونا عن المؤتمر العلمي الحادي عشر لطلاب جامعة حضرموت الذي ترأستم لجنته العلمية، واختتم مؤخراً؟
بالنسبة للمؤتمر العلمي أو المؤتمرات العلمية الطلابية في جامعة حضرموت، وهذا الحدث حقيقةً تفرّدت به الجامعة على مستوى الوطن، منذ عام 2014م، وفي الحقيقة ولدت الفكرة أساسًا من رئيس الجامعة أ.د. محمد سعيد خنبش، أن علينا إظهار أبحاث طلابنا، وقد وصلنا الأسبوع الماضي إلى النسخة الحادية عشرة من هذا المؤتمر.
المؤتمر في الحقيقة فعالية أكاديمية تبرز أفضل مشاريع التخرج لطلاب جامعة حضرموت، ولو سألتني من أين تأتي هذه المشاريع والأبحاث؟
بالطبع تأتي من الأقسام العلمية من مختلف كليات الجامعة العلمية بشقيها الطبيعية التطبيقية والإنسانية الاجتماعية. يتم ترشيح أفضل بحثين/ مشروعين من أبحاث التخرج للطلاب للمشاركة في جلسات المؤتمر. تعرض هذه الأبحاث المرشّحة على لجنة المؤتمر العلمي التي بدورها
تمحّصها بأسلوب علمي مبني على قواعد علمية واضحة، ووفقًا لمعايير محددة متفق عليها، وفي نهاية المطاف يتم عرضها أمام الحضور كما تابعنا أيام المؤتمر.
أحد عشر عامًا من العطاء المتواصل الذي لم يتوقف إلا اضطراريًّا خلال أحداث 2015 في مدينة المكلا. إن ثباتنا واستمرارنا إلى هذا اليوم يجسّد واقع جامعة حضرموت ممثلة بقيادتها الحكيمة في إبراز مشاريع الطلاب، فجل هذه المشاريع في حقيقة الأمر هي في خدمة المجتمع، وهذه جزئية مهمة جدًّا.
ماذا يستفيد المجتمع من ذلك؟
نحاول قدر المستطاع وتحاول الكليات والأقسام العلمية أن ترشح لنا هذه الأبحاث التي تمس الجانب المجتمعي لحل مشكلات المجتمع سواء كانت في مجال المياه، أو الكهرباء، أو الطرقات، أو البحر، أو البيئة، أو التلوث، أو الصحة، وما إلى ذلك، كل هذه المجالات تتطرق لها هذه الأبحاث، ويتم استعراضها من قبل الطلبة.
كم عددها؟
في هذه النسخة من المؤتمر لدينا ستة وثلاثون عملًا. وفي الحقيقة هذه نسبة قليلة مقارنة بالأعوام السابقة، إذ وصلت هذه الأبحاث في بعض السنوات إلى قرابة الستين بحثًا ومشروعَ تخرج.
ما الكليات التي قدمت البحوث والمشاريع؟
في العادة تشارك عدة من كليات الجامعة التي لديها مشاريع تخرج، وهي: كلية الهندسة والبترول، الطب والعلوم الصحية، البنات، العلوم الإدارية، العلوم البيئية والأحياء البحرية، الآداب والعلوم الإنسانية، العلوم، التمريض، الحاسبات وتقنية المعلومات، وكانت تشارك معنا كليات التربية في السابق قبل أن تلغى لديهم مشاريع التخرج.
وما مصير هذه الأبحاث العلمية والمشاريع؟
إننا نحتفظ بالأبحاث والمشاريع للطلاب الذين تخرجوا من هذه الجامعة، وتعد مشاركتهم في هذا المؤتمر تقديراً لجهودهم السابقة، بصراحة نحن أمام تحدٍ حقيقي. لدينا شباب في جامعاتنا، خاصة في حضرموت، يملكون شغفاً يفوق التوقعات، وأبحاثهم ليست مجرد أوراق للحصول على درجات، بل هي محاولات مخلصة لإيجاد حلول لبيئتنا. تعرفون أن البحث العلمي لا يُعد مجرد كلمات تُسطّر في الكتب، بل هو الجوهر الحقيقي للتغيير عندما يلامس أرض الواقع، فقيمته الحقيقية تكمن في تحويل النظريات إلى مشاريع نراها ونلمس أثرها، تماماً كما نرى الإبداع في التصاميم الهندسية المبتكرة، أو في الحلول التقنية البرمجية التي تخدم حياتنا اليومية. فهي جزء لا يُجتزأ من عملية تطوير المجتمعات بشتى مجالاتها.
عفوًا د. خالد لكن معظمها يبقى داخل أسوار الجامعة، أين تكمن المشكلة؟
صحيح، إنها تبقى داخل أسوار الجامعة، في حين أن المسؤول في الميدان قد لا يسمع عنها، أو يراها معقدة وصعبة التطبيق، الفجوة الحقيقية هي الوصول للمستفيد، كيف نحول هذا الحماس الطلابي والجهد العلمي إلى خطة عمل يمسكها المسؤول بيده ويقول: هذا ما نحتاجه فعلاً لنغير واقعنا البيئي. وهنا يأتي دور الطالب نفسه لتقديم فكرته ومشروعه بطرق مختلفة، ومنها عبر نادي ريادة الأعمال في الجامعة الذي يتبنى الكثير من الأفكار الرائعة، بل ويقدم لها الدعم لكي تقوم على أرجلها وتنطلق وتصل للمستفيدين. نحن فتحنا الأبواب في 9 و10 فبراير 2026 ليس فقط لعرض هذه الأبحاث والمشاريع، بل نريد بذلك أن نقول إن الطالب اليمني قادر على تقديم حلول، وعلى صناع القرار أن يثقوا بأن مفاتيح الحل موجودة في عقول هؤلاء الشباب.
كيف يتم تحويل الجزء النظري إلى واقع ملموس؟
الحقيقة أن الأربع أو الخمس سنوات التي يقضيها الطلاب بالجامعة هي التي يتم صقله فيها، والهدف ليس أن تحفظ، الهدف أن تترك بصمة. تخيل أن طالب الهندسة أو البيئة، يتعب ويسهر، حتى إذا دخل الميدان تكون عنده العين النافذة التي يرى منها المشكلة، التي لا يراها الجميع، واليد الفاعلة التي تحلها. سواء كنت تراقب جودة الأغذية، أم تصمم مبنى، أم تحمي البيئة من الأمراض… أنت هنا لا تتلقن معلومات، أنت هنا لخدمة أهلك وبلدك بمهارة حقيقية، تعلمتها بذكاء خلال مسيرتك الأكاديمية في الجامعة. فجاءت فكرة المؤتمر العلمي الذي وفقنا الله فيه كمنصة تأخذك من جو الجامعة المحصور بينك وبين دكاترتك، إلى الواقع الحقيقي.
فضلًا وضح الصورة أكثر؟
ولا يهمك، صعودك على منصة المؤتمر يكسر حاجز الخوف؛ فعندما تعرض مشروعك في وجود أُناس ربما تشاهدهم أول مرة، ومسؤولين، أنت هنا تقدم نفسك، تصقل شخصيتك وتثبت وجودك، أمام صُناع القرار، يعني مثلاً لو أنك طالب حاسبات وصممت برنامجًا يُسهِّل استخراج البطاقة الشخصية أو الجوازات من البيت، ممكن مدير الهجرة والجوازات يلفت نظره مشروعك ويقول: هذا الذي نحتاجه، فهذه هي فرصتك التي لازم تشتغل عليها. ببساطة الجامعة تعطيك العدة والعتاد، وهذه الأحداث تقدم للطلاب الفكرة، البيئة الحاضنة، والواقع هو المكان الذي تزرع فيه النتيجة، تزرع فيه مشروع تخرجك، ليس مجرد ورق يتغلف أو كلمات ترصف وحروف تزخرف، هو ممكن أن يكون حلًّا يريح الناس ويغير حياتهم، وهذا هو الأثر الحقيقي الذي نبحث عنه، والثمرة التي نسعى لجنيها، ونجعل الطلاب يقولون نحن هنا، لدينا جزء نظري تلقيناه في أسوار الجامعة، والآن نحن نعرض بضاعتنا، وهذا هو ما يسمى بردم الفجوة.
إلى أي مدى تعتقدون أن بحوث هذا العام مثل الوقود الحيوي والبلاستيك العضوي قادرة على مغادرة رفوف المكتبات لتصبح مشاريع واقعية وأكثر استدامة في المجتمع؟
سؤال في الصميم، طبعًا هذه البحوث وغيرها من البحوث والمشاريع المميزة التي قدمت في مؤتمر هذا العام، ومثل هذا البحث الذي ذكرته، كثيرة جدًا، قدمت في السابق بحوث ومشاريع ممتازة، المهم كيف نستفيد منها. أذكر أن طالبًا استخرج الديزل من البلاستيك، وهذه التجربة قام بها بجهود ذاتية كبيرة فهي مكلفة؛ لأن عملية تحليل البلاستيك وتحويله إلى ديزل بحاجة لأجهزة ومعدات، لكنه حاول أن يطبقها على أرض الواقع للاستفادة منها على الرغم من الصعوبات التي واجهته، وأولها الصعوبات المادية والفنية، لكن الحمدلله تجاوزها.
وهل نجحت الفكرة؟
نجحت طبعاً، واستخرج حوالي لترين من الديزل من مخلفات البلاستيك. وهناك الكثير من الأمثلة. أنا أقول لك: النجاح يحتاح إمكانيات مالية مستمرة، للأسف في الدول العربية كثير من الأبحاث العلمية مثل ما تفضلت موجودة على الرفوف؛ في اليمن تنقصنا الموارد المالية، تعرفون البحث العلمي يحتاج موارد كبيرة جدًا، ليست سهلة، لكن هذه الخطوة هي جبارة في حد ذاتها، ونريد مثل هذه الخطوات تكون موجودة فيما بعد إذا وجدت الفرصة لأنه دائماً تأتيك المنظمات والشركات العالمية فتسألك: هل عندك شيء تقدمه لنا؟ فتقول نعم والله عندي، أفضل من أن تقول له لا، حتى لو كان في الدرج، على الرفوف، تكون جاهزًا. فإذا كانت الفكرة رائعة ممكن يتحول الحلم إلى حقيقة بدعم من هذه المنظمات.
هل هناك “تشبيك” بين الجامعة والقطاع الخاص؟
نعم بكل تأكيد، ورئاسة الجامعة تعمل جاهدة دومًا في هذا الاتجاه. لدى الجامعة الكثير من الاتفاقيات والبرتكولات، الكثير من مؤسسات المجتمع المدني، والقطاع الخاص والمنظمات الخيرية والمجتمع المدني، هذه المؤسسات دائماً تقف معنا، وتقدم الدعم للمؤتمرات والمشاريع العلمية. هناك الكثير من المشاريع التي لايسعني هنا أن استعرضها كلها، سأعطيك مثالًا واحدًا فقط، هو مايتم عمله الآن في كلية العلوم البيئة والأحياء البحرية من مشروع الاستزراع السمكي المدعوم من قبل منظمة الفاو. وهذا بحد ذاته يصب في مجال البحث العلمي وتطويره. وسيخدم هذا المشروع بإذن الله المحافظة، ويوفر لها استقرارًا فيما يتعلق بجانب الأحياء البحرية.


